أنت الآن هنا: الصفحة الرئيسة - أحداث ومحطات - فتنة غرداية ديسمبر 2013 - ما يحدث في غرداية أكبر من مجرد فتن طائفية
ما حدث ويحدث في غرداية هذه الأيام إنّما هو سيناريو حقيقي محبوك، و يريد مدبروه (؟؟؟) استغباء المواطن وتبليد الرأي العام وتضليله من خلال خلط الأوراق والاستخفاف بالعقول الساذجة والبريئة مهما كلّفهم الثمن، فلا تهمهم أرواح المواطنين إذن ولا ممتلكاتهم ولا سمعة الجزائر في الخارج ولا مستقبل العلاقات الإنسانية بين المتساكنين المتجاورين في المنطقة...إلخ وقد نجحت خطتهم الخبيثة عندما علّقوها على مشجب الفتنة الطائفية، ومارسوها باحترافية كبيرة لترهيب المواطنين وإذلالهم حتى يظن الناس أنّها أمر واقع غير أنّ الحقيقة مختلفة تماما...
ذلك أنّ غرداية قد ضربت منذ القديم ولا تزال أروع الأمثلة في انفتاحها على العالم وتعايش مواطنيها مع من وفد إليها من أنحاء مختلفة من الجزائر بل ومن الدول المجاورة كذلك في وئام تام، على الرغم مما تتميّز به تشكيلة المجتمع الغرداوي من تنوّع واختلاف في العرق واللون والثقافة واللغة... وقد يلجأ البعض منهم من حين لآخر، وبفعل سنة التدافع الفطرية، إلى محاولة جلب بعض المكتسبات المادية أو المعنوية على حساب البعض الآخر، ولكن دون أن تصل الأمور إلى درجة الفتنة العروشية أو العرقية أو الطائفية أو الحزبية... بل ودون أن تبلغ ما بلغته من حالة الانفلات الأمني الخطير مؤ خرا والمجهول العواقب.
إذن، فإنّ في الأمر تدبيرا محكما إذن، بل وتخطيطّا دقيقا لا مراء فيه، إذ لو كان الأمر يتعلّق بمجرّد احتقان لدى شباب حي من الأحياء الشعبية المكتظة كما يروج له البعض في وسائل الإعلام عند تفسير أسباب اندلاع الأحداث، سواء أكان بسبب البطالة أم الحاجة إلى السكن أم غير ذلك ... لكانت أحداث النهب والتخريب والتحريق متجهة صوب الأملاك العامة والإدارات ومؤسسات الدولة وليس صوب محلات المواطنين الأبرياء وممتلكاتهم وبيوتهم وأعراضهم وأرواحهم -على فرض قبول هذا التفسير الغريب والساذج- أمّا أن تندلع الأحداث في توقيت واحد مثلما وقع عند اندلاع الثورة التحريرية المظفرة - نوفمير 1954- وفي أماكن معيّنة ومختارة، فإنّ الأمر لا يمكن أبدا اعتباره مجرّد فـتـنة طائفية، بل هو ضرب من التـفـتــين أي افتعال الفتنة وتفعيلها واستثمارها وإشعال نارها دون اعتبار لأي كان، لا لشيء إلاّ من أجل خلط الأوراق ليجد المجرمون الحقيقيون (؟؟؟) فرصتهم لقضاء مآرب لا يعلمها إلا الله، والراسخون في الأمن يقولون ما يقولون.
ففي الحقيقة أنّ غرداية عاصمة الولاية إنّما تعيش منذ السبعينيات من القرن الماضي تدافعا حضاريا وثقافيا طبيعيا ومشروعا بين المواطنين الذين يشكّلون المجتمع الميزابي الحديث أي الذي تكوّن منذ الاستقلال إلى اليوم، بفعل النزوح الريفي المتواصل واستيطان البدو الرحل وفوضى البناء العشوائي في سرير الوادي...إلخ مما أدّى إلى ظهور أحياء جديدة تتـزاحم في حـيّز ضيق ومحدود هو سرير الوادي، مما جعل هذه الأحياء تكتظ وتختنق بالسكان مخلّفة نسيجا عمرانيا طفيليا وغير منسجم مع الموروث العمراني الأثري المتمثّل في القصور الخمسة العريقة لوادي مزاب، والتي التزم فيها الميزابيون القدامى قاعدة أساسية في العمران الصحراوي تستلزم: " البناء على الصخر للمحافظة على سرير الوادي وتوفيره للزراعة والتوازن البيئي"، وقد تفاقم الأمر على مر السنين حتى تطوّرت المسألة وأصبحت تشكّل كابوسا حقيقيا وقنبلة موقوتة، عجزت الإدارة المحلية عن معالجتها وحلّ عقدتها، وبقيت السلطة المركزية حائرة في الأمر، وربّما كانت تكتفي من حين لآخر بمجابهة الأمر بحلول ترقيعية، عشوائية وسطحية، كثيرا ما تنتهي إلى عكس النتائج المرجوّة.
ومجتمع غرداية اليوم هو عبارة عن فسيفساء عرقية ولغوية وثقافية لا يمكن لأي عاقل أن يتنكر لها كحقيقة اجتماعية ماثلة للعيان، فضلا عن أن تحاول أية جهة إدارية أو أمنية أو سياسية أو دينية ... أن تضلّل المواطن بتفسيرات مخالفة لهذه الحقيقة، ولا ذنب لأي شاب في غرداية إذا فتح عينيه على الواقع ووجد أنّه ولد في غرداية رغما عنه وأصبح " ميزابيا " بالانتساب الجغرافي دون أن يكون هو الذي اختار أن يكون كذلك، بل وربّما كان في قرارة نفسه غير راض بهذا الانتماء الجغرافي. وعليه، فلا يمكنه مع هذه الحقيقة الاجتماعية الصارخة إلاّ أن يبحث عن مكان تحث شمس غرداية الدافئة مع غيره من المواطنين، وإن كلّفه ذلك بعض التعب والجهد الذي قد يصل إلى درجة الفوران والاحتجاج بالطرق السلمية المعروفة دون أن يصل به الأمر إلى السقوط في وحل الفتنة.
أمّا وأنّ الأحداث التي وقعت في الآونة الأخيرة بالذات، قد تجاوزت حدود الاحتجاج على مطالب مشروعة أو غير مشروعة إلى أعمال شغب و" بلطجية " على الطريقة الغرداوية، متجاوزة كل تصوّر واحتمال، وقد بلغت ما يشبه حرب الأوس والخزرج أحيانا، مفعمة برائحة العصبية المنتنة، التي قد يكون كثير من الشباب مدفوعا إليها عنوة. وذلك مما ينذر بالخطر ولا تتحمّل تبعاته إلا السلطة بكل أنظمتها ومستوياتها؛ لأنّ الأجهزة الأمنية المحلية قد أعلنت وبكل وضوح من خلال الحلول الترقيعية والانحياز الصارخ والصريح نحو فريق ضد آخر... عن فشلها الذريع في إدارة الأزمة.
ومن عجيب الأمر، أنّ تكون السلطات العليا في البلاد غير مدركة لحقيقة المشكلة، -وإن كنا نستبعد ذلك- في حين أنّ الأمر وبكل بساطة يتعلّق بغياب الآلية الصحيحة المفترض تسخيرها لعلاج المشكلة والمتمثّلة في فرض سلطة القانون لردع المجرمين الحقيقيين ومدبّري الفتنة من جهة، وتقوية جهاز العدالة وتطهيره ليبسط سلطان العدل على الجميع من جهة أخرى، إذ لا يعقل أن تضل هذه المنطقة من الوطن بؤرة ساخنة يتاجر بها كل من سوّلت له نفسه العبث بالوحدة الوطنية، ولا يدفع الثمن عندئذ سوى المواطن البريء، وربّما فئة من المواطنين دون غيرهم.
ولعلّ من الحكمة أن نوّجّه نداء صريحا إلى هرم السلطة في وطننا العزيز والمفدى ونحن على مشارف الاستحقاقات الرئاسية، على أمل أن تتحرّك على جناح الاستعجال من أجل أن تقطع الطريق أمام المتاجرين بثوابت الأمة؛ خاصة ما يتعلّق منها بوحدة الوطن والدين، لتضع حلاّ نهائيا للأزمة، فيعود الميزابيون القدامى والمحدثون أمازيغ وعربا إلى سالف عهدهم من الاحترام المتبادل وقبول التنوّع والاختلاف والتنافس النزيه على الفعل الحضاري الحقيقي، كي يعود الأمن من جديد ويتحقّق السلم المدني وتنتصر لغة الأخلاق والقيم على لغة الحجارة والسيف، ويعيش الجميع في تعاون وتكافل، من أجل تحقيق هدف واحد هو بناء الوطن وتنميته بنية خالصة ومستدامة.
ولا بأس في الأخير أن نختم هذا المقال ببعض التوصيات التي نرجو أن تؤخذ بعين الاعتبار وبصفة استعجالية في سبيل حل هذه الأزمة بشكل نهائي ودائم. وهي:
1. ضرورة إجراء تحقيق عميق وعالي المستوى في حقيقة الأحداث، وتسليط أشد العقوبات على المتسببـين فيها والمدبّرين لها سواء أكانوا من المواطنين أم من أفراد الجهاز الأمني المتواطئين، وكشف الحقائق للرأي العام، من أجل رد الاعتبار لهيبة الدولة وتطهير أجهزتها من دعاة الفرقة وسماسرة الفتنة من جهة، وإنصاف شريحة كبيرة من المواطنين الذين راحوا ضحية هذه الأحداث وذاقوا مرارة الحقرة والتمييز العنصري.
2. ضرورة وضع برنامج صارم لتطهير سهل وادي ميزاب (عاصمة الولاية) ومعالجة فوضى البناء خاصّة، من أجل استعادة الوجه المشرق لسهل وادي ميزاب من الناحية العمرانية وفك الضغط عن الأحياء المكتظة بالسكان من خلال تشجيع الشباب ومساعدتهم على إقامة مدن جديدة بعيدة عن مجرى الوادي على غرار واد نشو وتافيلالت وتاونزا وأغرم أواعزان ونوميرات (متليلي الجديدة)...إلخ. مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والتنوّع الاجتماعي التي يتمتّع بها سكان المنطقة ودون إجبارهم على الاندماج القسري. لأنّ الهدف هو منح الفرص للجميع من أجل العمل على تحقيق وحدة صادقة تستقر في القلوب وتترجم في الواقع سلوكيا من خلال الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف والتنافس النزيه على تنمية البلاد والحفاظ على وحدة الوطن.
3. ضرورة وضع استراتيجية وطنية مستدامة تشرف عليها الدولة وبصفة رسمية، من أجل القضاء على ثقافة إقصاء الآخر والعصبية والعروشية والتمييز العنصري أو الطائفي بين المواطنين، من خلال تصحيح الأفكار المشوّهة لصورة المخالف ونشر مبادئ التوحيد والتسامح وقبول الاختلاف الثقافي والديني في سبيل وحدة الوطن والمصير. سواء عن طريق الإعلام أو التربية والتعليم أو غير ذلك من الوسائل والآليات.
وفي الأخير، فإنّ ما ذكرناه هنا على عجالة، إنّما هو محض اجتهاد في معالجة جانب من هذه الأزمة من خلال محاولة ترشيد الفكر وتضميد الجرح، عسى أن يكون إسهاما متواضعا في سبيل تنوير الخيّرين من أبناء هذا الوطن المفدى ودفعهم للعمل جميعا من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
د. يحي بوتردين
الرابط : http://www.aswat-elchamal.com/ar/?p=98&a=38894
المصدر: أصوت الشمال (مجلة عربية ثقافية إجتماعية شاملة)