أنت الآن هنا: الصفحة الرئيسة - أحداث ومحطات - فتنة غرداية ديسمبر 2013 - وراء "أحداث امزاب" وراء الصراعات الطائفية، تكمن العبودية الجرح المنفتح، هذه المرة، في "الجسد المريض" الذي يدعى الجزائر، اسمه: "امزاب"

دوامة الاضطرابات التي جرت هناك، هي أبعد ما تكون عن المواجهات العفوية، التي قد تنجم عما يمكن تسميته بالفوارق الإثنية، الدينية أو الثقافية، التي من شأنها أن تتضمن حتما، بذور التنافر والصدام. العديد من مواطنينا يدركون هذا؛ كلٌّ يزوي في ركنه، منطويا على شطر صغير من اللغز. علينا، مرة أخرى، أن نسجل في خضم أعراض المرض، الصمت الذي يصم الآذان، الذي التزمته، فرادى وجماعات، نخبنا ومفكرونا وإطاراتنا، إذا استثنينا بعض الطيور الناذرة، التي يعلم الجميع بأنها غير كافية لكي تبشر بالربيع. يجدر أيضا أن نسجل تلك الخاصية الخارجة عن المعتاد، التي ميزت فترة ما بعد 88، والتي جعلت من الصحفيين أحزابا سياسية، ومن الصحافة نمطا للتعبير النخبوي؛ وهو بديل منطقي تماما، إذ يستجيب لحاجة كل مجتمع إلى ناس يتولون مهمة تفكيك مدلول الوقائع وتوضيح ما يقومون بتغطيته من واقع، بما يطرحونه من تأويل وتوقع، حتى وإن انتهجوا في ذلك أسلوب التساؤل المتسلسل، وصياغة فرضيات تدعمها كليا أو جزئيا، تلك المؤشرات التي تحذر منذ سنوات، سواء من داخل أو من خارج حدودنا، من وجود خطر. غير أن الأرجح هو أن نخب هذا البلد، قد قررت الامتناع عن التدخل نهائيا، بصفتها كذلك.
فهي لا تنتج، لا تتحدث، لا تتحرك، متسترة باعتبارات عديدة، منها: فقدان اهتمام أغلبية المجتمع بالشأن العمومي، الرقابة، الشرطة السياسية، كواقع موجود أو مضمر... وبالطبع الآن، وشك الرئاسيات المقبلة التي تشل الجميع، لأن الجميع يُحس بأن الأمر لم يعد يتعلق بانتخابات عادية تهدف إلى استمرارية النظام القائم ولا حتى إلى تغيير للوجهة، لكن يتعلق بمنعطف يتم الإعداد له، مفعم بالمخاطر، بالنظر إلى ما حدث في عدد من البلدان. إنه التفسير التي يضمره العديد من الإطارات، ومن رجال السياسة، للامتناع عن التدخل، خشية التسبب في ردود فعل عشوائية، واحتمال أن يدفعوا إلى حدوث بعض الأعمال الوحشية داخل البلد، قد يُذهب بها إلى تطورات على الطريقة الليبية أو السورية، وهو ما لا يرغب أحد في أن يتحمل مسؤوليته.
هو عنف سار منذ مؤتمر طرابلس، تقوم الطوائف بتجديد تفعيله في كل مناسبة تنافس يتعلق بما يزعم من تداول على السلطة، إذ في غياب الحياة السياسية، يظل العنف فارضا نفسه، باعتباره نمط التحكيم الوحيد. من جملة أعراض الظرفية الحالية إذن، نجد عامل الخوف، ومنه الخوف من التغيير.
لا يتمثل الرهان اليوم، في "من الذي سيحل بدل من"، لكن في التساؤل عما إذا كانت المرحلة القادمة ستفضي إلى تغيير سياسي سيُشرك المواطنين والنخب السياسية والأمنية، ومن هنا، سيزود البلد بنظام سياسي يسمح له بمواجهة عالم التهريج الذي نعيشه.
شخصيا، باعتباري منتميا إلى الفئة التي يطلق عليها تسمية نخبة، ذا ثقافة دزيرية وأصل امزابي، أود، احتياطا لاعتراض قد ينازعني صلاحية التعبير عن وجهة نظري، أن أعلن عن استمساكي بحقي في ذلك الاعتزاز بالأصول، إذ لا يعقل أن يُجبر أحد، كما تمليه مختلف أشكال المساومات التي تُفرض علينا، على محو أصوله حتى يكون جزءا من هذا الأمة، ولا من هذا الشعب أيضا؛ كما أود، من جهة أخرى، أن لا أتحدث عن امزاب بالمفهوم الدقيق للتسمية، لكن أن أعبر عما يجعل ما يحدث هناك، وما تخفيه مظاهر المواجهات "الطائفية"، من وجهة نظري، من جملة الأعراض التي تميز حالة الأمة، والتي تدفع بي إلى التأكيد بقوة على أن الجزائر في خطر، وهي صيغة، حتى وأن كانت، من المؤسف، مبتذلة، فإن ذلك لن يمنع من أن تظل دقة ناقوس الخطر الوحيدة، الكفيلة بأن يصغى إليها.
باعتبار امزاب مؤشرا، فهو يطرح تساؤلا متسلسلا: أي منطق هذا الذي يكرس العنف؟
في رأيي، سبقت الاضطرابات التي حدثت في امزاب، ظواهر مماثلة، سواء منها تلك التي وقعت في المدينة الجديدة "علي منجلي" بالشرق الجزائري، في جسر قسنطينة في الوسط، في إليزي وجانت وبرج باجي مختار في الجنوب. في كل تلك الأماكن، عنف كامن، يلصَق بفوارق تعود إلى النَسَب أو إلى ما يشبه العصابات الحضرية، بلغ حدودا قصوى. تلك الصراعات الرامية إلى انتزاع اعتراف بهوية ثقافية، أو إلى احتلال المجال من طرف تلك المجموعة العرقية، تلك الجماعة أو العصابة، أدت إلى تدخل للدولة. تدخلٌ ميزته أنه لم يستجب، في أي من تلك الأماكن، لا إلى منطق دولة مركزية عارفة بالوجهة التي تسلكها، ولا إلى نهج سياسي يهدف إلى إدماج أعضاء تلك المجموعة أو تلك، أو مواطنين أصابتهم التعرية الثقافية واستؤصلوا من جذورهم، فيما يتعلق بحروب العصابات.
في امزاب، ذهبت الأمور إلى أبعد من ذلك في تسيير الواقع، أو في تسليط الضوء عليه، حيث شاهدنا تدخلات لقوات الأمن، أقل ما يقال عنها أنها ملتبسة، إذ يؤكد البعض على أنها تحالفت ضدهم، بينما يدعي آخرون بأنها من جهتهم، ويقومون بتنظيم إضرابات تهدف إلى الحيلولة دون تعريضهم للعقاب. من المحتمل هنا أن يتعلق الأمر بتحالف لشبكات مجهولة، غير أنها فرضية لن تحول بأي حال من الأحوال دون إبراز معاينة في ثلاثة أوجه.
أولا، بالرجوع إلى تاريخنا، دون الحاجة إلى الذهاب بذلك إلى غاية 1962 وإلى قضايا مشروعية النظام القائم، أن نسجل مدى سعة الثغرة المحدثة داخل القليل من المشروعية العالقة بالسلطة الحالية. في هذا المنحى، سوف لن يشكل امزاب التمرد الأول الذي حدث منذ 1962، ولن يكون الأخير ما دمنا لم نفهم بعد بأن المواطنين في حاجة إلى التعبير عن أنفسهم، في حاجة إلى اجتياز تلك المسافة التي تؤدي بهم إلى أن يفهموا بأن من مصلحتهم أن يتحالفوا مع الجار، بغية الاشتراك في انتزاع التعايش الأمثل معا، لا المواجهة الرامية إلى الاستحواذ على بعض الأمتار.
في 1988، لم تتحمل السلطة بروز المواطنة، لأنها تعودت الممارسة من خلال حزب سياسي وشرطة سياسية، كانت تُسيَّر باعتبارها دولابا واحدا، ومنظومة هندسة سياسية دائمة. أما عن الإسلاميين، فإنهم لم يرضوا بالمواطنة لأنها تتعارض مع الانصياع لمحتويات عقائد تبسيطية، لم يعد لها أية علاقة بالدين، وتتلخص عموما في طاعة القادة الواجبة على الرجال، استحواذهم على النساء وعلى الثروة، ولو كانت غير مشروعة، ما دامت ناتجة عن الاتجار، ومرتكزة بين أيدي القادة.
نجد لدى الفئات المستمسكة بالسلطة نفس المنطق تقريبا، وبشكل عجيب، وبينما تتحارب السلطة والإسلاميون، فقد كانوا على وفاق في أحد الجوانب، ويتمثل في كون المواطنة تشكيك في كل تلك الموازنات، لأن المواطنة معناها توازن السلطات. إنني مقتنع بأن ما رفضته الثورة المضادة التي شهدتها التسعينيات، وترفضه الآن تلك الثورات المضادة، التي سرعان ما جردت انتفاضات العالم العربي من غاياتها النضالية المتمثلة في بروز الطبقات الاجتماعية، هو بروز المواطنة، رفض تنظيم البلد على أساس توازن السلطات واستبعاد السيادة الشعبية.
ثانيا، أن نؤكد، بالعودة هذه المرة إلى البعد المتمثل فيما شهدته أحداث امزاب من تلاعب صارخ، وهو، بحسب البعض، صنيع أطراف داخلية، وبحسب آخرين صنيع منظمات غير حكومية دولية، مُحيلِين عموما إلى مصالح مخابرات أجنبية، [أن نؤكد إذن] على أنه، وفي كلا الحالتين، من المفروض أن نتساءل عن الفائدة المرجوة من مؤسسات وطنية، وأساسا من مصالح المخابرات، إذا لم تحم المواطنين من "اليد الأجنبية"، مهما كان شكلها ومن عمليات التلاعب الداخلية، من أي طرف كانت. لقد طرح امزاب من جديد التساؤل الأساسي المتعلق بأدوات السلطة الوطنية، من شرطة ودرك وطني، المشوبة دوما بالغموض، سواء تعلق الأمر بالأحياء الجديدة التي تعتبر مفرخة للعنف، أو ببلاد القبائل أو بالاعتداءات في الشوارع المركزية بمدننا.
كيف يحدث في بلد يخصص فيه قسم معتبر من ميزانية الدولة لقوات الأمن وبالرغم من عمليات التجنيد الكثيرة، أن لا تتدخل هذه القوات عند الحاجة وفي الوقت المناسب؟ في المدينة الجديدة "علي منجلي"، لجأ الناس إلى طلب النجدة، لكن وجب دوما وقوع قتلى قبل التدخل. في امزاب، قال رجال الشرطة ثم الدرك من بعدهم، بأنه لم يكن في مستطاعهم أن يتدخلوا لأنهم لم يتلقوا الأوامر بذلك.
لسنا ندري، كيف يسير التسلسل القيادي. لسنا ندري إن لم يكشف ذلك كله، عن إرادة مبيتة في الإبقاء على ذلك العنف كله حيا، أم يتعلق الأمر، بكل بساطة، بعجز عن مواجهة كل تلك التحديات المطروحة من طرف الوضعية والسكان. وهذا بالطبع لا يعفي السكان، والنخب التي من المفروض أن تمثلهم، من ذلك العجز عن رد الفعل؛ ولن يغفر لهم ذلك الاختلال التنظيمي المطلق، لأننا جميعا، إن قبلنا بهذه الوضعية التي لم يعد يوجد فيها أية وساطة سياسية واجتماعية مع السلطات، فلأننا، نشكل بكيفية ما، طرفا مساهما في تلك الوضعية، فالكل ينتظر منابه من العطاء، والكل منساب داخل الركود السائد، يحاول التلاؤم مع المظاهر الكاذبة، ومع التفاهة.
الغلطة عالقة بنا جميعا. وفيما يتعلق بامزاب الذي يحتوي على هيكلة داخلية، ألا يكمن الخلل في تنظيم ركز انشغاله على الجوانب الطقوسية بدل الهندسة السياسية التي من المفروض أن تسمح له، ليس بمجرد تحسين التلاؤم مع الوضعية السياسية للبلد، وإطلاع القائمين فيها بذلك الجهد التصوري الذي زوَّد امزاب بمؤسسات مستدامة وبالانسجام الاجتماعي، لكن بمواصلته.
ثالثا، وفي علاقة هذه المرة، بمعالجة أحداث امزاب، أن نعاين كيف تمت البرهنة على مدى انحطاط مستوى الكفاءة في نمط تسيير المجتمع الجزائري. وبالطبع ينبغي أن نتساءل إن كان عدم الكفاءة في نمط الحكامة الحالية، مرتبطا بكل بساطة بنظام يندثر، أم ترانا بحضرة مخطط يتم تفعيله؟ أم بتنظيم داخلي أم بحاجة خارجية؟
يكفي أن نعاين إلى حد الساعة، كيف أنه لم يكن التدخل في أي من الأماكن الذي انفجر فيها العنف، متناسبا مع تسيير يستجيب لتأسيس المواطنة. بل أكثر من هذا، إذ على مر الأحداث، يتبين لنا تدريجيا بأن الأمر أميل إلى تسيير ينزع إلى "قبلية" المجتمع، وكأننا بحضرة إدارة تفضل التعامل مع قبائل، وإبرام اتفاقات مع القادة، في غياب المواطنين الذين يعبرون عن مواقفهم عبر الأحزاب السياسية، المنظمات الجماهيرية، الاتحادات المهنية والمدنية التي ينبغي التفاوض معها.
ينبغي الاعتراف بأن تنظيم "القبلية" هذا، يعود إلى النصف الثاني من الثمانينيات – بداية التسعينيات، حيث شاهدنا كيف وقع عبر عدد من المؤسسات الوطنية، الاقتصادية، ذات الطابع الإداري أو حتى في تسيير النظام العمومي، من شرطة وجيش، نوع من تخصص المهن أو المكاتب، بحسب الأصول، وإذن إلى "قبلية" أسلاك المهن والإدارة كاملة. لنذكر أيضا بأن تلك العصابات المتنافسة التي تتزايد بحسب وثيرة تزايد الأحياء-المراقد، الغيتوهات والأماكن الأخرى حيث يحشر السكان، متسببة في تردي مدننا، وتدهور الوفاق المجتمعي والإنسانية في الإنسان، [تلك العصابات إذن] تُدعى أيضا "القبائل الحضرية". هنا أيضا، علينا أن نتساءل عن مدلول تلك "القبلية". هل هي مجرد عملية داخلية في بلد ما، يتم تفعيلها من طرف دولة فاشلة وترفض المواطنة؟ أم هي مشمولة في منطق دولي وتكتسي، في هذه الحالة، مدلولات أخرى؟
في رأيي، ليس في وسعنا أن نعتبر بأنه توجد هنا "يد أجنبية"، إذ يمكن أن ينعقد الرباط بمفرده. للتوضيح أقول: موضوعيا، إن المنطق الحالي للرأسمال المهيمن، هو منطق تفكيك للحدود، ثم إخضاع الشعوب، لأنه يهدف إلى توفير ورشات متنقلة، جاهزة بحسب حاجياته من منطقة إلى أخرى، لأنه يحتاج إلى قوى عاملة تتميز بالحركية والعمالة. فهذا المنطق العالمي الذي يشرع في تنصيبه حاليا، أحوج إلى عصابات وطوائف قصد تسيير الطاعة، منه إلى أحزاب سياسية التي يعني بروزها وسيرها وجود حوار داخل الحزب وحواليه. فيما يخصني، أومن بقوة بوجود هذا المنطق في العالم والسؤال المطروح فورا، فيما يتعلق ببلدنا، هو أن نسائل أنفسنا، ما الذي جعل سلطاتنا تخضع إلى هذا النظام العالمي، هل لأننا لا نتوصل إلى تحليل القوى الحالية المتربصة، أم لأننا طرف في تسيير هذا العالم؟
عندما يقال أنه ظهر في امزاب، بمناسبة الاضطرابات، وقائع ومسالك تؤدي إلى وجود متاجرات بالمخدرات والأسلحة في المنطقة؛ عندما يعمد جنون طائفي إلى رفع لافتات تحمل "السُّبة" الوهابية القصوى المتمثلة في وضع كلمة "الخوارج" في موضع كلمة "بني امزاب"، إلى الاعتداء على القبور وتشتيت العظام، علينا وقتها أن نفهم بأنه من أوكد الاستعجالات أن نقيس طبيعة وأبعاد كل هذا. لا يصدر الميزابيون عن أي من تلك النوعيات المعروضة للتبادل، بما فيها "أيديولوجية الطايوان"، وقد برهنوا على ذلك في 1990-1991، حين رفضوا اقتفاء خطى الفيس، وقد كلفهم ذلك دعوة إلى "الجهاد" ووفاة رجال. لقد تمت التغطية على ذلك كله، بواسطة قرار عفو حكومي، وتحت غطاء مثل تلك التدابير، تمت التسوية بين الضحايا والجلادين، وتجاهل العدالة في القضايا، وتعفنت الأمور.
امزاب إذن منطقة اقتصادية حيوية؛ يمكن لنشاطات التهريب أن تختفي بسهولة نسبية خلف تلك الحركية الصناعية والتجارية، لكن يوجد بين هذه وتلك تناقض، والنشاطات غير المشروعة تنزع إلى محاولة الحلول بدل النشاطات المشروعة وقلب النظام الاجتماعي والسياسي واستبداله بما يليق بها. ولعله ليس من قبيل الصدف أن يكون المهرب الكبير، مختار بلمختار، المفلت من حرب مالي، قائد المجموعة الإرهابية التي وقّعت على عملية الاختطاف في "تيقنتورين"، من مواليد غرداية. أما عن اصطياد الحبارى، فبصرف النظر عن كونها فضيحة في حد ذاتها، فهل تراها كافية لتبرير مشاهد الطائرات ذات الحمولات الضخمة التي تحط بكيفية عادية، ومنذ مدة طويلة في البيداء وفي المنطقة، وتفرغ – استنادا إلى ما أمكن لمحه من محتوياتها –سيارات جيب، حاويات، حزمات وبنادق للهجوم، في قواعد ممتنعة في وجه كل فضول؛ مع العلم بأنها لا تعقد ارتباطها سوى مع بدو، يرجعون نسبهم عادة إلى أصول عربية، عرفت قبيلتهم بحق بتحكمها الفائق في المسالك الخالية. لكن، هل يتوقف الأمر عند هذا الحد؟
مهما يكن من أمر، فإن من أخطر جوانب اللاوعي، أن يتعامل مع هذا الغموض في "اللا-مشروعية" باعتباره حادثا من "الحوادث المتفرقة"، أو نوعية مرضية محصورة في منطقة معينة. مع العلم أنه يوجد من العناصر ما يكفي. فلنتذكر من بينها، تلك الحكايات المحزنة، التي وقعت منذ عشرين سنة، مع التطور المرسل لمناطق حرة مافيوية بمنطقة تبسبة، أو حتى بعضا مما آلت إليه أعمال الشغب في جانفي 2011، لكي نقدر عكس ذلك، بأن التحالفات المفيوية، كالسرطان، قد تورمت.
لا يمكن إخضاع الشعوب إلا تحت تأثير ظواهر متوافقة. فالعودة السابقة إلى الاضطرابات في امزاب، قد بينت لنا بأنه يوجد في الجزائر، أساسا، ثلاثة من تلك الظواهر، يتم تفعيلها: الإرهاب، أي العنف، تلك الحاجة إلى العنف الحاضرة والدائمة، التي ترجع الإرهاب واللصوصية إلى نفس الوثيرة؛ فالاتجار في المخدرات، الذي يعتبر منظومة استعبادية مكتملة بواسطة العنف وتشويه المخ، هياكل قاعدية، اقتصاد، قد جرت فيه عادة اقتران المخدرات بتهريب الأسلحة؛ ثم تغطية أيديولوجية، تشكل في ربوعنا ديانة جديدة مبسطة، لم يعد لها أية علاقة بالإسلام، ألا وهي، الوهابية.
يرتكز النجاح الذي حققته الوهابية على عاملين مبسطين: الرشوة، بما فيها الصدقة مقابل "الأرواح"، وتنظيم ديانة مبسطة و"مُستغبية"، لا ترتكز على ثقافة الإسلام، لكن على صياغة دينية لثقافة الخضوع، بواسطة تعرية الإسلام. وتعرية الإسلام تتمثل أساسا في كون المسلمين لا يتوفرون على حق مساءلة النص، وهو ما فرض عليهم منذ قرون حقا، لكن جاء الوهابيون لاستكماله، لأنهم يدعون بأن السلطان ظل الله في الأرض، بأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ومن هنا وجبت طاعته. فإذا قيل بأن الشخص الذي يحق له أن يكون سلطانا، يحتاج إلى تعريف، فهم يقولون بأننا في غير حاجة إلى التفكير الديني، وبأن البعض مكلف بالتفكير بدلا عنا، وهو ما يتناقض تماما مع الإسلام السني، الذي لا يتوفر على تسلسل للسلطة الروحية.
لكن، في الوقت الذي تقول الوهابية بعدم وجود سلم للسلطة الروحية، والقرآن هو الذي يؤكد ذلك، فهي تقول أيضا، موازاة مع هذا، بأن سلطة السلطان مقدسة، بأنه وكيل الله في الأرض. وهذا السلطان، هل هو خادم الحرمين أو الوكيل الذي يمتلك السلطة في هذا الإقليم أو ذاك؟ كل الصراعات والتهريج الوهابي، يهدف تحديدا إلى إحداث نوع من المسيرين بالوكالة، شريطة أن لا يكونوا مسيرين منتدبين من قبل القوى الاستعمارية السابقة، لكن، مسيرين فرعيين جدد، يقيمون بجدة، الدوحة، الخ. والوهابية فرع من هذا المنطق التبسيطي، الهادف إلى إفقار الفكر، إلى التسيير بالتخويف، الذي هو تخويف بالترهيب والمخدرات.
الحجم العالمي للظاهرة، يدفع، بين قوسين، إلى القول بأن منطق الخنوع يخدم أساسا قوى المال، وحيث أن الخلط المافيوي لم يعد مجرد انحراف، لكن قيادا لتزويد الصناديق السوداء المستعملة في إعادة تنظيم السلطة العالمية، على ظهر مؤسسات المواطنة.
ومن الأشياء التي لن تخلو من أن تدفع بي إلى التخوف، أن توجد في أوروبا حلقات دراسة لشتى صيغ "المكسكة"، باعتبارها تطورا محتملا في إفريقيا الشمالية. ترى هل ستشهد شمال أفريقيا منطقة تكون بالنسبة لأوربا، بمثابة المكسيك بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، أي منطقة حدودية، سيسود فيها عنف متوطن، بمناطق هامة ينعدم فيها القانون، يستحوذ عليها كبار المهربين، وتستخدم أيضا قواعد ل"عمليات خاطفة"، للحروب غير المعلنة بين الدول؛ زيادة على تلك الأيديولوجية الوهابية التي تسمح ببسط اليد على السكان الذين يمكن الحصول منهم على كل شيء، ويمكن أن يفعل بهم كل شيء، باسم مخافة الله؟
تحدثنا عن الإرهاب المتوطن، غير أننا لا نفهم كيف أن ذلك العنف كله، لا يزول عن الجزائر ولا يتوصل إلى الحلول في المغرب؟ مع أنه رغم كل شيء، بلد التمرد المستمر، "بلد السيبه"، توجد فيها أحراش أكثر وجبال أكبر من جبالنا، وأن توزيع الثروات يشمل أعدادا أقل بكثير من السكان، بأن الإسلام المبسط متمكن أكثر؛ يسود فيه فقر دائم، الخ. ولا أعني بهذا بأن مصالح المخبرات وقوات الأمن المغربية أفضل من الجزائرية، أو بوجود رغبة واعية وظاهرة في الحفاظ بل بتشجيع التمرد في الجزائر. أعرف البلدين من قريب، وأتساءل، كيف تم التوصل إلى تلك النتيجة في الجزائر، بينما تمت وقاية المغرب من ذلك؟ إبراز المشكل بهذه الطريقة، يطرح أولوية التفكير في موضوع الفساد.
الطرح الآخر الذي يقترحه امزاب: إلى أين يؤدي الفساد، حين يتحول إلى نمط لتسيير المجتمع، والعلاقات الدولية؟
في جميع الأزمنة، اعتُبر المغرب بلد الرشوة. بينما صارت الجزائر كذلك. هنا تتوقف المقارنة، لأن المغرب قد اشتهر تقليديا بنخبة مرتشية وسكان يدفعون باستمرار تكاليف تلك النخبة للحصول على الحد الأدنى من الحقوق، وفي الجزائر، فإن السكان هم المرتشون من قبل النظام، للحصول على مكاسب أو حقوق، بما في ذلك الحد الأدنى. هنا يكمن الفرق الأساسي. والضرر الأكبر وخطورة الرشوة، أن تتحول إلى نمط للتسيير. لئن كان تمويل الشباب أمرا مشروعا، فإن التمويل دون مقابل هو خلاف ذلك، لأن الشيء الذي يستهدف في الواقع، هو من جهة، كرامة الناس الذين لم يعودوا يتعلمون بذل الجهد، ومن جهة أخرى، تلك القيمة الأساسية، والمنتجة الوحيدة، ألا وهي قيمة العمل. هي اليوم مقصاة كلية من نمط التفكير والتنظيم لدى الشبيبة الجزائرية.
بعد مرور خمسين سنة عن الاستقلال، تتمثل إحدى النتائج التي توصلت إليها الأمة، في كونها حذفت تعلم العمل من اهتمامات الناس، وفي كونها أجبرتهم على تعود مد اليد للسؤال، للحصول على سكن، على عمل، وعلى النقد الحاضر، بدعوى المؤسسات المصغرة وغيرها. فالرشوة باعتبارها نمطا للتسيير، مع كافة التوزيعات المالية التي تشرع فيها عبر التراب الوطني، هي ذات عواقب وخيمة، ومن المؤسف أنها صارت الآن نمط تسيير دولي. تصويرا لذلك، هناك في تاريخنا العريق، ما يمكن أن ندعوه بالظاهرة المرَضية للملك النوميدي المحارب، يوغرطا.
وبالفعل، فقد اعتقد يوغرطا، بأنه قوي جدا وذكي، لأنه كان يعتقد القدرة على تحقيق مآربه كلها، بواسطة تقديم الرشوة إلى كافة أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. من جهته، أوهمه هذا المجلس، طيلة المدة التي دام فيها تدفق الذهب المستقدم من مالي، والقمح من الهضاب العليا، بأن الرشوة مفيدة له. ولم يكن المجلس الوحيد في هذا، بل حتى الملك باخوس، صهره الذي كان باسطا حكمه على إقليم يتناسب تقريبا مع المغرب اليوم، الذي بدا بأنه كان يدعمه. ثم بعد أن نفذت كافة الثروات، في الحروب الصغيرة، وفي التوهم بأن أمواله قادرة على أن تشتري له العالم، فُعل بيوغرطا ما فعل بالقدافي، مع الفارق أن القدافي قد تعرض للإهانة في بلده، بليبيا.
أما عن يوغرطا، فقد جيء لمحاربته ولاتخاذه مثلا؛ فبخيانة أيضا من باخوس، تم إلقاء القبض عليه، وسيق إلى حبس قسري بروما،حيث مات. بالمناسبة، يبدو بأن المغرب لا يزال وفيا لتقاليد باخوس، لكنه يعمل اليوم لصالح من ؟ ألصالح باريس، واشنطن، أم تل أبيب؟ لم نبذل ما فيه الكفاية من مجهود لدراسة تلك الظاهرة التي تجعل الرشوة التي نعتقدها مربحة في الداخل للتحكم في السكان، ومربحة في الخارج، لتبرير التوازنات الدولية، لن تحمينا في شيء. هناك نظرية تقول بأن الرعب المزمن، يعتبر ضرورية بالنسبة للبلدان التي استفحلت فيها الرشوة، لأنه يسكت المواطن ويمنع الشهود الأجانب من القدوم، مما يسمح بالطبع، بحرية "التزود"، دون شهود أجانب ودون قدرة داخلية على التمرد، لأن الكلفة ستكون هامة جدا.
أمر مفهوم اليوم، أن يرفض الجزائريون التورط، لأن التسعينيات كانت جد قاسية. هذا، رغم أن بعض قضايا الرشوة اليوم، تصنف خيانة عظمى وتعتبر تواطؤا مع العدو وليست مجرد اختلاسا للأموال، مهما كانت ضخامة المبالغ. والخطر على الأمة اليوم، يمكن أن يأتي من الخارج، ومن المؤكد أنه لن تنفع الأسلحة ولا الرشوة الداخلية ولا الخارجية في إنقاذ نُخبة أو نظام أو بلد، بل ينفعه التناغم العميق بين سلطة مشروعة، جيش موحد، تراب يعتبر موحدا، وشعب موحد، يفضل التصديق على النظام لأنه يؤمن به.
فالذي يؤشر إليه امزاب اليوم، كما سبق لبلاد القبائل أن فعلته منذ بضع سنوات ومن المؤسف أننا لم نقم بقياس أبعاد ذلك وقتها، في حين تعلق الأمر بعواقب نفس المعطيات، هو أننا نوجد بالضبط على طرف نقيض ما ينبغي أن يكون عليه بلد قوي، في محيط صار هشا، ومترجرجا كل يوم أكثر. يكفي أن نرى كيف يوجد في الغرب قواعد عسكرية؛ في الجنوب، النيجر ومالي قواعد عسكرية؛ حديثا جدا، في الجنوب التونسي، قاعدة أمريكية أخرى. أقل ما يمكن قوله بأن الأجواء حولنا صارت خانقة ! بقيت لنا وجهة الشمال، لكن، بالمناسبة، في الوقت الذي اكتفت طبول جدل الوطنية، بالتقاط الفتات في حملة تسخين البنادير، دعي المغرب من طرف حركة تحرير الأزواد – هذه الحركة التي تبرز تارة وتغيب أخرى، إلا في علاقاتها بباريس، لمنازعة الجزائر وساطتها في شأن ملف الطوارق، وضرورة توريطها في إحلال الاستقرار الودي بالساحل.
يعتقد الكثير بأن عدم التدخل الدبلوماسي والعسكري في شؤون الجار، لا يصدر عن قناعة أيديولوجية، بقدر ما هو ناجم عن تغيب مقرون بمخاوف نظام نالت منه الشيخوخة. وهل الخوف كاف ليفسر وحده لبس العلاقة، الوهمية تماما، مع ذلك الفاعل الكبير الغائب من تشخيص المخاطر، والمتمثل في بلدان الخليج؟ لقد تحولت بلدان الخليج إلى نقطة عبور إجباري لكل تبييض مالي، ونقطة لقاء المصالح المبهمة، وجامع الملفات الخاصة بالفاعلين المتورطين. هل يعتبر هذا كاف ليوضح لنا كيف صارت تلك البلدان مزودتنا بامتياز، في مواد مختلفة ومتنوعة، بدءا من الفولاذ إلى السلاح، مرورا بالبناء والأشغال العمومية وبالتبغ؟ هل هذا هو ما يفسر قدرتها على أن تصب في أراضينا أيديولوجيتها السالبة، وجزءا من أموالها في حدودنا، أحيانا لتمويل حركة Mujoa، لاختطاف دبلوماسيينا، وأحيانا للتلويح بعدوانية في تينبوكتو (Tombouctou) تبريرا لسن التدخل الغربي والإسرائيلي، توطئة لاستعمار جديد؟
باعتباري إطارا، فإن الذي يثير فيّ غضبا حائرا، هو أن أجد أمام هذا كله دولة عاجزة عن أن تطرح على نفسها تساؤلات أساسية، في شأن ما يحدث لنا ويأخذ برقابنا، أو أن تفتح نقاشا في شأن مكانة الجزائر في العالم، وطبيعة الدور المخصص للجزائريين في إعادة التشكيل الجارية فيه، ما دام حتما أن نختار بين أن يفرض علينا دور، أو نسهم في اختياره. لقد بينت لنا كل من كوريا الشمالية، ماليزيا، أمريكا اللاتينية، بأن في الإمكان أن لا نكتفي بأن نظل مجرد رعايا تحت تصرف تلك الدائرة أو تلك، ذلك المستوى من ورشة البنيان العالمي أو ذاك، وبأنه لا يزال في إمكاننا اختيار مستقبلنا، وبأن من حقنا ومن واجبنا أن نختار سبيلنا الخاص بنا.
إن الجولة الخاطفة التي قمنا بها إلى المغرب، ونحن بصدد الحديث عن امزاب، تثير تساؤلا آخر: ما الذي جعل المغرب يقبل رسميا بكافة التشكيلات الثقافية، الدينية والجينية [الموجودة فيه] بما فيها اليهود، باعتبارها جزءا فاعلا في التاريخ الوطني بالمغرب، بينما في الجزائر، فإن الميزابيين الذين يحملون نفس الجينات التي تيمز الآخرين، إذ أثبت الدراسات الأخير أننا نتوفر فعلا على نفس الخصائص الجينية، على نفس "التركيبة" سواء صنفنا أنفسنا في حيز الناطقين بالبربرية أو بالعربية - أو حتى مغاربة، أو تونسيين، موريتانيين أو ليبيين -، [فإن الميزابيين إذن] ينظر إليهم باعتبارهم غرباء أو أجانب؟
هل يعود هذا إلى استمساكهم ب"الشاشية" والسروال "عرب"، أو إلى ما يفترض من اختصاصهم في التجارة، أم هي مأساوية جاكوبينية الدولة التي تعني، بالنسبة إلينا نحن الموجودين في المراتب الدنيا، الإذعان لنوع معين من النمطية؟ وكأن بناء الدولة الجاكوبينية، - التي لم نتوصل إلى تركيز مشروعيتها على المواطنة -، تعني تأسيس تلك المشروعية على النمطية.
والنمطية ليس لها أية علاقة بالمواطنة، بل على العكس من ذلك، فهي تسيء إليها. إنها تسمح بتسيير السكان على أساس تمييزات دائمة، اجتنابا لبروز الطبقات، ولبروز الوعي الطبقي؛ وبكل بساطة، اجتنابا لبروز الوعي السياسي. لقد مررنا على كافة التصنيفات الممكنة: تقدميين ضد مسلمين، ناطقين بالفرنسية ضد ناطقين بالعربية، إسلاميين ضد ديمقراطيين...
ثم إن هناك بالطبع ذلك التمييز المتمثل في "العرب" ضد "البربر"، بالحدَّة المفتعلة التي تميزه، وهو تمييز لا يعني بأنه سيظل مسالما لو "أريد له" أن يفضي إلى تفرعة تطورية أخرى في شرذمة البلاد، وتقسيم الجزائر. مهما يكن من أمر، فإن محروقات من هذا القبيل سهلة الابتداع إذا اقتضت الضرورة، ما دام المهم هو خلق الفروق الكاذبة، بدل التكفل بالفوارق الحقيقية على أساس معايير اقتصادية وثقافية (ومقصود الثقافة هنا هو الحصول على المعارف).
تتمثل المعطيات التي كنا نتوفر عليها في: المسار التاريخي، الموارد البشرية والمادية التي تجعل الجزائر في موقع يمكنها من تقديم المثل في بروز المواطنة في بلد في العالم الثالث، والكارثة أن "منارة العالم الثالث" صارت مضرب المثل لمن رام البرهنة على مغبة العواقب الوخيمة الناجمة عن التلاعب والمناورة. من الواضح، في المرحلة الحالية، بأن تسيير العنف المزمن، مهما كان شكله، لا زال يصدر عن نفس المنطق المتبع في الفترة الاستعمارية، ألا وهو التفرقة. لقد سبق لتاريخ الميزابيين أن وقع التلاعب به من طرف المكتب الثاني الفرنسي، خاصة سنة 1956، أثناء معركة الجزائر. مناورة لم تكن نتيجتها أنها لم تدم طويلا فحسب، بل أدت بالقيادة السياسية في ذلك الوقت إلى توجيه التجار الميزابيين نحو تجارة الجملة، وكانت وقتها بين أيدي اليهود بعد أن تنكر أحبارُهم للكفاح من أجل الاستقلال الوطني. غير أن العمدة في ذلك الوقت، كانت على رجال من نوعية عبان رمضان، وعلى السور المنيع الذي مثلته الوطنية مدة طويلة. نشاهد اليوم نفس الأوامر وبروتوكولات العمل، سواء تعلق الأمر بالمسالة القبائلية، بعنف كبير لا نزال نشهد استمراره إلى يومنا هذا، أو ب "تكوت"، في جبال الأوراس، أو بمناطق الطوارق وامزاب. يكاد الأمر أن ينعت سُبّة أن نقول بأننا، في حصيلة الأمر، لم نرق إلى فنون المناورة حين تعلق الأمر بناسنا، ولا إلى فنون المناورة المضادة حين يتعلق الأمر بالأجانب.
نحن، هنا أيضا، أمام عرض من أعراض حالة تردي الهندسة السياسية في بلدنا. والواقع أن الجديد في المسألة، وهو خاص جدا بالنظام القائم حاليا وبهذه المرحلة الخطيرة التي نحن فيها، أن رجال السلطة يعانون من مشكلة السن، وبأنهم، كشأن كافة الآباء الذين لم يفهموا بأن دورهم يتمثل في مرافقة أبنائهم لكي يكونوا أفضل منهم، يرفضون تسليم المشعل، فهم خائفون من شعبهم الذي يتوفر على طاقة جنونية.
طاقة رائعة في إيجابيتها ومودتها، لو لم تتح لها سوى فرص التعبير في المجالات السلبية من كسر وتحطيم ذاتي، والخوف أسوأ الناصحين. فهو يحدث دوما نظم تفكير وقرار تتميز بالسلبية. فلا يمكن أن نفكر [جيدا] إلا إذا قمنا بالإسقاط في المستقبل، إلا إذا تمتعنا بقدرة على استباق الأمور. والأمر الخطير أيضا في نمط التسيير الحالي من قبل الشيوخ، هو أنه يسمح دوما ببروز رواد ينصّبون أنفسهم. روادٌ، شاهدنا كيف أنهم، في بلاد القبائل، عند الطوارق، في امزاب، (ويا لغرابة الصدف !) يدعون كلهم إلى نفس المطالب: الذاتية، النداء إلى التدخل الخارجي، دعوة منظمة الأمم المتحدة، قصد الحصول على رد فعل من بقية المواطنين، مفاده: "لا أبدا ! تحيى الوحدة الوطنية، يجب القضاء على هؤلاء "الخلاطين" !.
كلما بدا "الخلاط" جد مغاير للذات، كلما سهل التوصل إلى ذلك، سواء كان قبائليا، تارقيا، شاوريا أو ميزابيا، فإن ذلك لن يهم؛ إذ يعيد إلى نفس الثوابت، " نبغي أن تحل المشاكل بيننا". توجيه النداء إلى الخارج، يصدر دوما عن رواد ليس لهم من الريادة شيء، ولم يؤسسهم أحد (أو تقريبا) روادا، ومع ذلك فإن من الغريب أن يجدوا نفاذا إلى وسائل التعبير، وإلى الاعتراف في الخارج، في حين لم يعترف بهم حتى من قبل المجموعات التي من المفترض بأنهم يمثلونها. والفخ، هو أن تحريف الصراعات إلى وجهات مسدودة، والفراغ المحدث حول قضايا تطرح، وهي مشروعة في معظم الأحيان، ليس من شأنه أن يحلها، ولا يفقدهم قدرتهم على المواجهة.
فصيحة "رُوحُوا لَبلادْكم !" في وجه الميزابيين، تعبر بطريقة كاريكاتورية عن تلك الوضعية. فأين يوجد "بلادهم" ؟ فأن يطلب من ِزنَاتِيين، بُناة قرى ألفية، بالعودة إلى بلادهم، هو تماد في المبالغة ! صحيح بأن الإدارة قد وفقت في أن تجعل من غرداية، الموجودة في عز الصحراء، واحدة من أكثر البلديات كثافة في الجزائر، حيث يوجد الميزابيون في وضعية الأقلية في "بلادهم". هذه هي النتيجة التي أفضى إليها نظام الحكم، تلك الدولة المركزية النمطية. في هذا الصدد، علينا أن نبرز أيضا دور المدرسة: فحين يُدرس بأن الأمير عبد القادر هو مؤسس الدولة الجزائرية، يعتبر هذا تجاهل صارخ لمرحلتين أساسيتين في المسار التاريخي الجزائري. أولا مرحلة ماسينيسا، القالب البربري للجزائر، والتي تعتبر الأهم من بين كافة المراحل التاريخي، لا لأنّه وُفق في مواجهة روما فحسب، لكن لأنه عرف كيف يوحد إقليما شاسعا جدا في عاصمة تدعى سيرتا. ثم الدولة الرستمية من بعد، قالب الجزائر المسلمة، التي يرفض الاعتراف بها، بسبب الخلط بين الرستميين والميزابيين، ليتم إقصاؤهما معا من تاريخ الأمة.
وهل سنعجب من هذا، حين نعلم بأن الدولة الرستمية، دولة إباضية تتوافق تماما مع المنطق البربري، المتمثل في حرية اختيار وانتخاب النظراء، بدل سيادة الوراثة أو القوة ؟ تم محوُ القالب البربري والقالب المسلم من تاريخ الجزائر، لصالح أسطورة كولونيالية لم تعترف لنا بدولة سوى في القرن التاسع عشر، مع الأمير عبد القادر.
كيف السبيل أن نؤسس في أبنائنا اعتزازا بأجدادهم، وعيا بهويتهم انطلاقا من أنفسهم، دون حاجة اللجوء إلى كراهية الآخرين للشعور بالوجود؟ من الضروري أيضا مساءلة التاريخ لوضع حد للتحامل على الميزابيين: فتح أرشيف المرحلة العثمانية والاحتلال الفرنسي، إرهاصات الحركة الوطنية، وحرب التحرير، ثم القيام بالمقارنة بين حياء البعض وتبجح الآخرين، وبين أدوار وتضحيات كل طرف. خلف إرهابيي عشرية 1990-2000، يوجد الكثير ممن يحملون أوزارا في ماضيهم أو في ماضي آبائهم، كما وجد الكثير، أخيرا، فرصة انتقام تاريخي.
علّمنا تاريخ الشعوب، بأنها تستمد أيضا قوتها من قدرتها على التسامح وقدرتها على قبول التنوع، التنوع داخل وخارج أمتها. ألا يتضمن رفض التنوع شيئا أخطر، يتمثل في زرع ثقافة الكراهية؟ ثقافة العنف المزمن، هي ثقافة الكراهية، وهي لا حد لها. ونبدأ بكراهية الآخر. لكن، من هو الآخر؟
الفرنسي، اليهودي، الجار الذي يتمتع بسيارة أفضل، الميزابي الذي يُعتقد بأنه يخبئ نقوده في داره، القبائلي لأننا نعتقد بأنه مُوالٍ لفرنسا... لا يهم، سنجد دوما سندا ومبررات للإبقاء على شعلة تلك الكراهية التي لا يشفى غليلها. وليست الحالة كذلك في المغرب. فالمغاربة يطرحون قضايا الصراعات بمصطلحات الفئوية والطبقية والحركات المجتمعية، بدل مصطلحات الكراهية. إلا أنهم هناك، لم يبادروا إلى هدم القيمة الأساسية المتمثلة في قيمة العمل. فحين نعلم بأنه يوجد في المغرب طريقتان لتحقيق الثراء، إما سبيل المخزن، بما فيه السرقة، أو سبيل العمل؛ فعندما تنسدُّ سبل الواحدة، يمكن اختيار الأخرى. فما هو سبيل ذلك في الجزائر؟ ففي رأيي، بأن عدم وجود القدرة على الاختيار، يفسر بكثرة العنف، بما فيه كثرة حالات الانتحار.
هل شوهد في امزاب، مؤشرات لانفجار الدولة الجاكوبينية ولبروز الدول المصغرة التي تميز النظام الجديد للشعوب المقهورة؟
في صفحات الويب، استعملت الابتهالات الجنائزية خلفية صوتية لمشاهد التخريب، التي كانت تقوم بها عصابات الشباب. لم يكونوا في حاجة إلى وضع الأقنعة، إذ ربما كانوا مقتنعين بأنهم يقومون بواجب مقدس، ومقتنعين بكل تأكيد من عدم التعرض لعقاب. كانت العصابات تتقدم لتدنيس مئات القبور. مصداقا لقولة أحد الكتاب " امتد التحطيم حتى إلى الموتى"؛ وعندما شاهدت انهيار مقام "آمي سعيد" تحت ضرباتهم (شيخ مدينة غرداية من سنة 1450 إلى سنة 1492)، علمت بأن شعوري، ذلك الوقت، بأن "المشهد لم يكن غريبا عن الذاكرة" آت من صور هدم مقامات تينبوكتو، لكن أيضا من تذكار هدم قبر أميرتي القصبة، وأدركت إلى أي حد "صارت الأزمنة مجنونة" بحق.
تم حرق "ديوان حماية وادي ميزاب"، ويبدو بأن نسبة 60% من أرشيفه تكون قد حطمت. يوجد الديوان في الحي اليهودي الهام بمدينة غرداية، حي الكنيس اليهودي الذي سلم من التحطيم، وحي صار"عربيا"، إذ نظرا لطبيعة العلاقة التي تربط الميزابيين بالملكية، فإنهم رفضوا الاستحواذ على أملاك تركها أصحابها فارغة. في محلات ديوان حماية وادي ميزاب، توجد الذاكرة التقنية المعمارية لميزاب، وقد أنشئ الديوان لهذا الغرض.
تعتبر المقابر والمقامات والأرشيف أماكن للذاكرة. محاولة تسويتها بالأرض، تعيد إلى البصمة الوهابية. واضح موقف الوهابيين من هذا، إذ يعتبر تحويل مكة والمدينة إلى شبه "لاس فيغاس" مبتذل هجين، تحطيما لأماكن الذاكرة. ينصح الصهاينة بهذا، ومن المبشرين بالعولمة الجديدة من يحلله: لجعل السكان مائعين وطيعين، ينبغي فصلهم عن وشائج الارتباط بأصول النسب وبأمكنة الذاكرة، إذ ما دامت أمكنة الذاكرة والارتباط بالأرض وبالنسب موجودة، فلا يمكن أن نفعل بهم ما نشاء.
المثير أن يستجيب السعوديون لمنطق صهيوني، ومن المفزع أن يفعل الناس عندنا نفس الشيء، ربما بدافع من الكراهية فقط، غير أن هدفهم ينزع المصداقية عن الأطروحة التي تتحدث عن أعمال عفوية، تقترفها مجموعة في حق أخرى.
من قائل يرد على هذا التأويل، بقوله مثلا : قبل تعرض مقام سيدي عيسى المشهور في مليكة، بدوره إلى الهجوم، فقد تم تحطيمه أولا من طرف الدولة، التي سحقته بخزان الماء الذي يشرف عليه. بالطبع، لقد فعلت الدولة مثل تلك الأشياء، في جل أماكن البلد، لكن أعتقد بأن ذلك يستجيب لمنطق آخر، في منطق هذه الدولة الجاكوبينية التي لا تفهم بأن أمام عجلتها الساحقة، يوجد مجتمع له شواهده ومؤسساته الخاصة، وحين يتم تأويل هذا كله بشكل مغاير، يبتعد عن خطر المركز النابذ، ويوكل تسييره إلى الديمقراطية، فمن المحتمل أن يفضي في نهاية الأمر، إلى تخصيب وتعزيز الدولة والأمة.
ما دام الميزابيون لا يعتبرون أنفسهم أيديولوجيا إباضية بل ميزابيين، أي داخل التأسيس والتصور الذي سمح لهم بالجمع بين الإيمان والعقل، وسمح بالمزاوجة بين المؤسسات البربرية التقليدية وتأويلاتهم الجديدة كمسلمين، فإنهم لن يناقضوا الدولة الجاكوبينية وحدها، بقوة مؤسساتهم.
في المجال الاقتصادي مثلا، فإنهم عاجزون عن الانسياق في الاقتصاد غير الرسمي، لأن ذلك يفرض عليهم مراجعة أصولهم. سياسيا، لقد وقفوا إلى جانب الحكومة المؤقتة بدل الانقلابيين. هنا أيضا، فإن المشكل المطروح على الدولة الجاكوبينية يذهب إلى أبعد من امزاب، لأنه يدفع بعدم رسمية الدولة والاقتصاد. لقد ذهب رفض المواطنة، ومنه هشاشة الدولة، بعيدا.
لم تتأسس سلطة الدولة على أسس تسيير شفاف، وتحولت شيئا فشيئا إلى سلطة مزدوجة، مع، من جهة، ذلك الجزء الضروري للتمثيل الوطني والدولي الذي تمثله السلطة الظاهرة، ومن جهة أخرى، السلطة الحقيقية المسيرة، السلطة غير الرسمية، مع قاعدة شعبية خاصة بها، ترتبط بها أكثر بكثير مما تفعله قاعدة مجتمعية تتأسس على المواطنة، والتي ستنتهي حتما إلى تحقيق ذاتيتها والمطالبة بمزيد من الحرية. عدم رسمية الاقتصاد أمر ضروري بالنسبة لهذا النوع من الدولة، لأن الاقتصاد غير الرسمي يتضمن حتما الاستعباد، التبعية، ومن هنا ارتباطا قويا جدا بالسلطة غير الرسمية.
عندما يكون الشرطي مرتشيا، ويفرض مفتش الضرائب تزوير التصريحات المالية، فلا مبرر لوجود الدولة الرسمية.
عندها، فإن الذي يستوقفني في عدم الرسمية، في هدم أماكن الذاكرة، هو دوما ذلك السؤال المؤرق: هل نحن بحضرة منطق داخلي، أم منطق خارج عن البلد؟
شخصيا، لا أعتقد بأن المسيرين يتوفرون على مخطط مفصل يشرعون في تنفيذه. أعتقد بأن منطقهم الداخلي هو منطق للاستمساك بالبقاء، أسميه انتحارا من أجل البقاء على قيد الحياة، يتناسب من جهته مع منطق دولي يهدف إلى بعث نظام "مُعولَم" مع سلطة مركزية على الصعيد العالمي. منطق انبثقت منه الحروب العالمية الأولى والثانية، وها نحن داخله كلية، داخل اعتداء تميزه الحاجة إلى تحطيم مفهوم الدولة، إلى ميوعة السكان، إلى فتح الأقاليم، الحاجة التي تدرج المنطق الصهيوني للتطهير. فعبارة: "ينبغي إخراج المسيحيين من الأقاليم العربية"، على لسان وزير فرنسي للشؤون الخارجية كان يدعى وقتها برنار كوشنير، تصوير جيد للمشروع وللأسلوب. لم يكن ثيودور هيرتز، مؤسس الصهيونية إنسانا مؤمنا. والحقيقة أن أول من عارض ذلك النوع من المخابر التي كان يقول عنها بأنها: "مؤوى للشعب اليهودي"، كانوا أحبارا، أدركوا، قبل المسلمين بكثير، مغبة الفخ القاضي بالاعتماد على ديانة أو ثقافة من أجل إقصاء السكان الآخرين.
في العراق بالأمس، في سوريا اليوم، وربما في الجزائر غدا، فالفكرة تقتضي أن نقول بأننا شعوب عاجزة عن العيش معا، وبأننا مخلوقون لدويلات مصغرة جدا، منقاة بواسطة التطهير العرقي، لكي نتأكد بأن كل واحد موجود في بلده: يهود، كرد، سنة، شيعة... وها نحن نرى في الجزائر، بأنه لا يكفي أن نكون سنة، إذ ينبغي أن نزيل الإباضية أيضا.
هذه العملية الدولية الجهنمية التي نحن فيها، لا تتضمن غائية حقيقية تتمثل في إنشاء دويلات مطهرة، لكن تهدف إلى تحطيم مفهوم التعايش، والإضعاف الأقصى للدول، للشعوب، لتتحول عندها ببساطة إلى خدم للرأسمال-المهيمن. من شأن هذه الاستراتيجيا أن تبطل العمل بمنطق الرعب باعتباره محرك الفوضى العالمية، وحان وقت إنهائه.
ألا تشكل مواجهات امزاب في الحقيقة، جزءا من حصان طروادة الذي يخفي في بطنه ذلك الهدف الأسمى المتمثل في كسر الجيش؟
لا يهم إن كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد ساعدت على إنشاء القاعدة من أجل التصدي للإمبريالية السوفيتية، لا يمهم إن كانت إسرائيل هي التي أنشأت حماس التي "توهبت" لكسر المنظور اللائكي في منظمة التحرير الفلسطينية، آن أوان تصفية هذه المرحلة، عن طريق تحميل مسؤولية ذلك، إما للذين استعملوا تلك الإعفاءات لأغراض مقايضة، إما لمطامحهم باعتبارهم قوة إقليمية، دون أن يتوفروا على وسيلة ذلك، وإلا أيضا للذين تحملوا ويلاتها، فلم يعرفوا كيف يوقفونها وتركوها تتكاثر خارجا عن حدودهم.
لا بد أن يتحمل أحد مسؤولية العمليات الدموية عبر العالم، لا بد أن يدفع أحد الكلفة الناجمة عن وجود القاعدة، والعربية السعودية هي بداهة الضحية التكفيرية، وقد رشحتها لذلك أعمالها الخاصة، وأيضا باعتبارها الفتيل المفضل. فهل وجود عصابات قاعدة المغرب الإسلامي، "موجوا" وغيرها، واستمرار إرهاب مزمن في الجزائر، وعدم وجوده أبدا في المغرب، لا يضحي بنا كضحايا تكفيرية، بسبب عجز إثباب النظام، باعتباره طرفا فاعلا في الفوضى السائدة؟
اغتيال ميزابيين، والنزول إلى أبعد أعماق الهوة، بواسطة اللجوء إلى تفعيل الآليات والمناهج التي أدت بنا إليه؛ من استعمال الرشوة، والتصعيد في التسليح، لن يغير شيئا في ذلك. لأن جزائر معززة بمواطنة السكان، هي قادرة على الدفاع عن نفسها والصراع من أجل إيجاد المكانة اللائقة بها في مسرح الأمم.
في الوقت الراهن، أعتقد بأن الاستراتيجيا السائدة، والخطة المتعبة، تهدفان إلى إضعاف الجزائر. إضعافها بشكل مضاعف، عن طريق ضخ أقصى لكافة ما يمكن أن تسمح به ثرواتها الباطنية، وترك سكانها ينساقون في تيار الانحراف، في نوع من الثروة أو الدخل الذي يسد الرمق، وهي مفتعلة في كلا الحالتين ، يستحيل تحملها دوما، ثم سحبها منهم بعد ذلك، بواسطة عنف أكبر، وإخضاعهم لمعايير جديدة يفرضها الإدماج العالمي.
إن تسيير الأداة المالية للنظام، وهي إحدى الأعمدة الثلاثة التي يرتكز عليها بناء السلطة الجزائرية، المتمثلة في سوناتراك، لم تعد تستجيب للعقلانية اقتصاديا ولا ماليا. يهدف تسيير سوناتراك إلى جمع أكبر قدر من المداخل في المدى القريب، على حساب أولادنا، حتى وإن أدى ذلك إلى تحطيم آبار للبترول والغاز الأهم، وإلى تحطيم قدرات شعبنا على التقوت، إذ سيشرع في استغلال احتياطيات بترول وغاز الشست وتبديد المخزونات الألفية من المياه التي كانت تنتظر منذ سنوات أن يجعل من الصحراء، ما يمكن أن تكون عليه بالماء، أي أخصب أرض في البلد.
والعمود الثاني المفترض أن يكون ركيزة للنظام، تلك الواجهة المدنية للجيش، المتمثل في جبهة التحرير الوطني وحكاياتها، لم تعد شيئا يذكر، عدا مخبأ "الشكارة" وانعدام الرسمية. لقد أفرغت من كل محتوى، باعتبارها وسيطا سياسيا لصالح شرطة سياسية تجاوزتها الرهانات، ومن كل محتوى في المستوى الأيديولوجي، إذ لم يعد يباع للسكان سوى الوهابية، من أجل إحكام شدهم بواسطة الخوف، أو بواسطة الإخضاع. لم يبق سوى الركيزة المركزية للنظام، وهي الجيش، وهل نحن واعون بأن الركيزة الأخيرة لبناء الجزائر، منذ مؤتمر طرابلس المؤسف، هي الآن في قلب العاصفة، لأن "الشكارة"، انعدام الرسمية، والأيديولوجيات المستوردة، إضافة إلى القطيعة مع الشعب، سينتهي أمرها بتحطيم العمود الذي لا زال يشد الأمة، ويبقيها واقفة؟ غياب الوساطة السياسية، إفقار الفكر، التنكر للتاريخ، كراهية الذات، عدم الاعتراف بالتنوع الثقافي واختلاف الألسنة والممارسات الدينية، أمور تضعف البلد إلى درجة أننا نصل إلى ما كان يقوله مالك بن نبي: "إذا استعمر بلد، فهو إذن قابل للاستعمار." يبدو بأننا قررنا أن نضعف أنفسنا بما فيه الكفاية، لنتحول من جديد إلى قابلين للاستعمار، إلا أن الاستعمار لا يمكن أن يتخذ نفس الأشكال والألوان التي اتخذها في القرن التاسع عشر.
فاليوم، يُستعمَر بواسطة مسيرين مفوضين لاستنزاف الموارد، إفقار السكان، يفتحون البلد بدون مقابل، أو يضعون القوات تحت تصرف القوى العظمى. فالمسار الذي يدفع إليه إضعاف الجزائر، قد يتجه إلى تسيير نوع من النظام في إفريقيا، لحساب آخرين؛ تحويل السكان المهلوسين إلى نوع من جيش مهني، بدل جيش احتياطي للإنتاج الصناعي، إنكشاريون جدد يضمنون للأوليغارشية العالمية مستوى من الأمن في قارة ستعرف انفجارا ديموغرافيا. وفي الحقيقة ستكون آفاق اقتصاد الاستيراد-التصدير، بعد مراحل تحطيم القواعد الصناعية والموارد الطبيعية: أن يوضع تحت تصرف الرأسمال المهيمن ، ليس بروليتاريا لكن جنودا لحروب سيخوضها مرتزقة تنفيذا لعملياته الخبيثة، وحراس محبوسين حمايةً لمصالحه.
آن أوان قلب صفحة مؤتمر طرابلس، والعودة إلى أمة مواطنة، مدعومة بجيش مخلص من فخ انعدام الرسمية، والتسيير بواسطة طقوسها.
بقلم: عبد الرحمن حاج ناصر
(مدير "البنك المركزي الجزائري" سابقا)
قام بالترجمة إلى اللغة العربية: الأستاذ أحمد بكلي
الرّابط إلى المقال باللغة الفرنسية : Au-delà du M’zab, au-delà des clans, la servitude
المصدر جريدة الوطن
قمة في التفكير و التحليل ..بارك الله فيك يا مدير على سلامة فكرك ونضجك ..
يحى بريانالسبت 22 فيفري 2014 - 08:19